يشرح الكاتب ستيفن جانوت أن مصطلح "وقف إطلاق النار" لم يعد يحمل المعنى التقليدي الذي ارتبط به لعقود، إذ لم يعد يشير بالضرورة إلى توقف القتال بشكل كامل، بل أصبح يعكس ترتيبات سياسية وعسكرية معقدة تختلف من نزاع إلى آخر. ويرى أن الحروب الجارية في الشرق الأوسط، من غزة ولبنان إلى المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، كشفت عن طبيعة جديدة لهذا المفهوم.
وتوضح صحيفة القدس بوست أن اتفاقيات وقف إطلاق النار الحديثة لم تعد تعتمد على صيغة قانونية موحدة، بل تتحدد وفق الأطراف المشاركة، وطبيعة ساحة القتال، وآليات الرقابة والتنفيذ، والاستثناءات التي تدرجها الأطراف المتحاربة أو تحتفظ بها ضمنيًا. لذلك لا يعني إعلان وقف إطلاق النار بالضرورة توقف جميع أشكال العنف.
غموض قانوني يحيط بوقف إطلاق النار
يفتقر القانون الدولي إلى تعريف موحد ودقيق لمصطلح وقف إطلاق النار، ما يمنح الأطراف المتنازعة مساحة واسعة لتفسير بنوده بما يخدم مصالحها. وقد يشمل الاتفاق وقفًا شاملًا للعمليات العسكرية، أو يقتصر على مناطق معينة أو أنواع محددة من الأسلحة والأنشطة العسكرية.
ويشير الكاتب إلى أن أي اتفاق جاد ينبغي أن يحدد بوضوح الأطراف المعنية، ونطاق المناطق المشمولة، والأسلحة المحظورة، وما إذا كانت الغارات الجوية والاغتيالات والتحركات العسكرية تدخل ضمن القيود المفروضة. كما يجب أن يحدد الجهة المسؤولة عن مراقبة الالتزام والإجراءات المتبعة عند وقوع انتهاكات.
ورغم أن اتفاقيات الهدنة السابقة، مثل اتفاقيات الهدنة العربية الإسرائيلية عام 1949 أو وقف إطلاق النار عقب حرب أكتوبر 1973، لم تحقق السلام الكامل، فإنها اعتمدت على خطوط مواجهة أوضح وجيوش أكثر مركزية، ما سهّل مراقبة الالتزام ببنودها مقارنة بالنزاعات الحالية.
تعقيدات الحروب الحديثة في الشرق الأوسط
تختلف الصراعات الراهنة عن الحروب التقليدية بسبب تعدد الفاعلين وتداخل الأدوار العسكرية والسياسية. ففي غزة ولبنان واليمن وسوريا، تتشابك أدوار الدول والجماعات المسلحة والجهات الإقليمية والدولية، ما يجعل تجميد القتال أكثر صعوبة.
ويبرز قطاع غزة مثالًا واضحًا على هذه التعقيدات، إذ يتداخل ملف القوات العسكرية مع قضايا الأسرى والمحتجزين، والمساعدات الإنسانية، والمعابر الحدودية، ومستقبل إدارة القطاع. وقد يتحول أي خلاف حول هذه الملفات إلى اتهام متبادل بخرق الاتفاق.
وينطبق الأمر ذاته على لبنان، حيث تثير أي هدنة بين إسرائيل وحزب الله أسئلة عديدة تتعلق بالغارات الجوية، ونقل الأسلحة، والأنشطة العسكرية قرب الحدود، والجهة المسؤولة عن فرض الالتزام بالاتفاق. وغالبًا ما تتوزع هذه المسؤولية بين الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة والوسطاء الدوليين، دون امتلاك أي طرف قدرة كاملة على فرض التنفيذ.
الانتهاكات والرقابة ومستقبل الاتفاقات
يؤكد الكاتب أن الغموض يساعد أحيانًا في التوصل إلى اتفاقات أولية، إذ يسمح لكل طرف بتقديم الاتفاق لجمهوره بطريقة مختلفة. لكن هذا الغموض نفسه يتحول لاحقًا إلى مصدر دائم للخلافات.
فعند وقوع غارة أو إطلاق صاروخ أو تأخير دخول المساعدات، تسارع الأطراف إلى تقديم تفسيرات متباينة؛ إذ تصف جهة ما الحادث بأنه دفاع عن النفس، بينما تعتبره الجهة الأخرى انتهاكًا مباشرًا للاتفاق. ولهذا تكتسب آليات الرقابة المستقلة أهمية كبيرة في توثيق الوقائع وتقييم طبيعتها.
ويرى الكاتب أن غياب نظام رقابي موثوق يحول اتفاق وقف إطلاق النار إلى معركة روايات متنافسة أكثر منه اتفاقًا فعليًا لخفض التصعيد. كما يلفت إلى أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أضافت بعدًا جديدًا للمشهد، حيث قد تستمر الضغوط والضربات المحدودة بالتوازي مع استمرار الاتصالات السياسية.
ويخلص التقرير إلى أن وقف إطلاق النار في نزاعات الشرق الأوسط المعاصرة لا يمثل دائمًا نهاية الحرب، بل قد يشكل بداية مرحلة جديدة من الجدل حول ما يُسمح باستمراره من أعمال عسكرية. ورغم ذلك، تبقى هذه الاتفاقيات أداة مهمة لإنقاذ الأرواح، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح المحتجزين، وفتح المجال أمام الجهود الدبلوماسية. لكن نجاحها يعتمد في النهاية على وضوح البنود، وفعالية الرقابة، واستعداد الأطراف المسلحة للالتزام الحقيقي بما اتفقت عليه.
https://www.jpost.com/middle-east/article-899257

